الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

105

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

عموم قوله في حديث أبي هريرة : « ولا يقربك شيطان » فيتجه ، قال : وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة . وحكمة التفل - كما قال القاضي عياض - أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة ، تحقيرا له واستقذارا ، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها ، والتثليث للتأكيد . وقد ورد التفل والنفث والبصق ، قال النووي في الكلام على النفث على الرقية - تبعا للقاضي عياض - : اختلف في التفل والنفث ، فقيل : هما بمعنى واحد لا يكونان إلا بريق . وقال أبو عبيد : يشترط في التفل ريق يسير ، ولا يكون في النفث ، وقيل عكسه . وسئلت عائشة عن النفث في الرقية فقالت : كما ينفث آكل الزبيب ، لا ريق معه . قال : ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد . قال : وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب : فجعل يجمع بزاقه . قال القاضي : وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن ، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء . وقال النووي أيضا : وأكثر الروايات في الرؤية « فلينفث » وهو النفخ اللطيف بلا ريق ، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا . وتعقبه الحافظ ابن حجر : بأن المطلوب في الموضعين مختلف ، لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم ، والمطلوب هنا طرد الشيطان ، وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم . فالذي يجمع الثلاثة ، الحمل على التفل ، فإنه نفخ معه ريق لطيف ، فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث ، وبالنظر إلى الريق قيل له بصق . وأما قوله : « فإنها لا تضره » فمعناه - كما قاله النووي - : أن اللّه تعالى جعل ما ذكر سبب للسلامة من المكروه المرتب على الرؤيا ، كما جعل الصدقة وقاية للمال ، وأما التحول ، فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها . والحكمة في قوله في الرؤيا الحسنة : « ولا يخبر بها إلا من يحب » لأنه إذا حدث بها من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب ، إما بغضا وإما حسدا ، فقد تقع على تلك الصفة ، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك .